واحة للحرية

اغسطس 11, 2008

بموت محمود درويش صرنا بلا وطن

يندرج تحت تصنيف : بقايا وطن — nefartiti @ 6:54 م
Tags: , , ,

موت الشاعر الفلسطيني محمود درويش مؤسف وفاجع لا لفقدان أحد أعمدة الشعر العربي فقط بل لفقدان آخر رموز القضية الفلسطينية. كان درويش حامل وناقل الجرح الفلسطيني, وكان الشاعر الكبير مُذكّراً لوحدة الشعب الفلسطيني ولسان حال الوطن المشتت, وكان شعره موحّداً للشعب الذي فرّقه الشتات ومزّقته المصالح السياسية الضيقة.

موت درويش هو ضياع آخر صوت للقضية الفلسطينية الكبيرة, تلك التي احتفظ بها وبأسسها الشاعر الدرويش حين تخلّى عنها السياسيون والقادة العظماء وبعد أن قزّموها وصغّروها وضيّقوها. لم يمت الشاعر, فالشاعر يحيى بشعره وبكلمته. قد خسرنا بوفاته شعراً كان عتيداً أن يكون, ولكن هذه الخسارة ليست بشيء حيال الخسارة الكبرى. قد خسرنا صوتنا, قد ماتت فلسطين.

قرار دفنه في رام الله هو أكبر الفاجعات في مفارقات هذا الفقدان الجليل. وُلد محمود درويش في قرية البروة المُهجّرة, وترعرع في قرية الجديدة في الجليل, حيث أهله وعائلته. كان حنينه إلى عصافير الجليل وإلى خبز أمه يتجلّى واضحاً في أشعاره. كان الحنين لفلسطين حنيناً للجليل. قرار الدفن في رام الله عوضاً عن دفنه في بلده الجديّدة هو آخر المسامير في نعش الشتات الفلسطينيّ. بدفنه يأخذ الشتات معناً آخر ويلبس حلّةً أخرى, فبعد أن كان قبل ذلك شتاتاً جغرافياً أصبح بعد قرار الدفن شتاتاً بكل ما في الكلمة من معنى فبدفنه خرجنا, نحن فلسطينيّو الداخل, خارج المعادلة. شاعر فلسطينيّ يُدفن في فلسطين. دفنه في رام الله يعني الكثير, يعني أن فلسطين هناك… ونحن هنا لسنا بشيء.

المفارقة في كل هذا هو أن الفقيد كان من أشد المعارضين لاتفاق أوسلو الذي باعونا فيه, ما تسبب في إستقالته من منصبه بمنظمة التحرير الفلسطينية. وها هو يموت ليكون رمزاً للتخلي عن القضية الفلسطينية, وليكون دفنه رمزاً للشتات الفلسطيني الداخلي. بدفنه تُدفن معه فلسطين والقضية وذاكرتنا القومية وتاريخنا ووحدة الفلسطينيين, ولهذا فدفنه برام الله تحديداً يرمز إلى قطع فلسطينيي الداخل عن فلسطين. بدفنه في رام الله جُرّدنا من هويتنا ووطننا وأرضنا.

لو كان لمحمود درويش أن ينطق الآن لخجل بشعبه وقادة الشعب المسكين. كيف يصبح رمز وحدة فئات الشعب الفلسطينيّ في الداخل والقطاع والضفة والمخيمات والشتات, رمزاً للتمزّيق والتّفريق والتخلّي عن جزء من أبناء الشعب الواحد!؟

فليحاكم التاريخ مُتّخذي القرار الذين ضيّقوا القضية ليحصروها في مصالحهم السياسية الشخصية. والتاريخ خير حاكم.

رحمك الله يا شاعرنا ويا آخر رموزنا وأسكنك فسيح جناته.
سيبقى شعرك ذاكرة لهذا الوطن الممزق.

No Comments Yet »

لا يوجد تعليقات.

خلاصة "RSS" للتعليقات على هذه التدوينة. عنوان التتبع

أضف تعليق

المدونة لدى WordPress.com.